محمد بن جرير الطبري
151
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ أن تؤخذ نفس بما كسبت . وقال آخرون : معناه : تفضح . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ يقول : تفضح . وقال آخرون : معناه : أن تجزى . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا الحسين بن واقد ، قال : قال الكلبي : أَنْ تُبْسَلَ أن تجزي . وأصل الإبسال : التحريم ، يقال منه : أبسلت المكان : إذا حرمته فلم تقر به ؛ ومنه قوله الشاعر : بكرت تلومك بعدوهن في الندى * بسل عليك ملامتي وعتابي أي حرام ؛ ومنه قولهم : . . . وعتابي أسد آسد ، ويراد به : لا يقربه شيء ، فكأنه قد حرم نفسه . ثم يجعل ذلك صفة لكل شديد يتحامى لشدته ، ويقال : أعط الراقي بسلته ، يراد بذلك : أجرته ، شراب بسيل : بمعنى متروك ، وكذلك المبسل بالجريرة ، وهو المرتهن بها ، قيل له مبسل ؛ لأنه محرم من كل شيء إلا مما رهن فيه وأسلم به ؛ ومنه قول عوف بن الأحوص الكلابي : وإبسالي بني بغير جرم * بعوناه ولا بدم مراق وقال الشنفري : هنا لك لا أرجو حياة تسرني * سمير الليالي مبسلا بالجرائر فتأويل الكلام إذن : وذكر بالقرآن هؤلاء الذين يخوضون في آياتنا وغيرهم ممن سلك سبيلهم من المشركين ، كيلا تبسل نفس بذنوبها وكفرها بربها ، وترتهن فتغلق بما كسبت من إجرامها في عذاب الله . لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ يقول : ليس لها حين تسلم بذنوبها فترتهن بما كسبت من آثامها أحد ينصرها فينقذها من الله الذي جازاها بذنوبها جزاءها ، ولا شفيع يشفع لها ، لوسيلة له عنده . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها . يقول تعالى ذكره : وَإِنْ تَعْدِلْ النفس التي أبسلت بما كسبت ، يعني وإن تعدل كُلَّ عَدْلٍ يعني : كل فداء ، يقال منه : عدل يعدل : إذا فدى ، عدلا . ومنه قول الله تعالى ذكره : أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً وهو ما عادله من غير نوعه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها قال : لو جاءت بملء الأرض ذهبا لم يقبل منها . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي في قوله : وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها فما يعدلها ، لو جاءت بملء الأرض ذهبا لتفتدي به ما قبل منها . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها قال : وإن تعدل : وإن تفتد يكون له الدنيا وما فيها يفتدي بها لا يؤخذ منه عدلا عن نفسه ، لا يقبل منه . وقد تأول ذلك بعض أهل العلم بالعربية بمعنى : وإن تقسط كل قسط لا يقبل منها ؛ وقال إنها التوبة في الحياة . وليس لما قال من ذلك معنى ، وذلك أن كل تائب في الدنيا فإن الله تعالى يقبل توبته . القول